‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقنيات القراءة في النص الديني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقنيات القراءة في النص الديني. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 أكتوبر 2010

النص القرآني في ضوء القراءة التأويلية الحداثية

ثمة نظرة متحفظة إلى القراءات "المعاصرة" أو "الحداثية" للنص المقدس، ترى في المشروع الحداثي مجرد رابط اجتراري يربط ما بين النسخة الغربية الاصلية والمسخة العربية المقلدة , هذا الرابط يسعى الى توليد الخطاب الديني وفق معطيات الهرمينوطيقا والبنيوية والتفكيكية وكل ألوان النشاط اللساني والتأويلي الحديث التي نظّر لها أمثال بول ريكور ورولان بارت وجاك دريدا وميشال فوكو.. ولا تفرق هذه النظرة بين اتجاه وآخر في داخل المنظومة الحداثية، طالما أنه يجمعها جذر اساس يختبئ خلف الاختلافات الظاهرية القائمة فيما بينها. وقد استخدمت لفظة " هرمينوطيقا " في الدراسات اللاهـوتية للدلالة على المعايير التي يجب اتباعها لفهم النص الديني، ثم توسع مجال استخدامها بحيث صارت تعنى بالكشف عن وسائل وآليات الفهم التي تمكِّن من فهم النص. وما لبث أن تحول المفهوم إلى منهج مستقل، ونمط من أنماط القراءة للنصوص، ورؤية خاصة تستهدف تفسير وتأويل الوجود والانسان والحياة. وتعود دلالة الهرمينوطيقا في أصلها اللغوي (الإغريقي) إلى الفعل ترجم، وفسّر، وأبان، إلا أنها لم تستقر كمصطلح إلا حديثا، وعلينا منذ الآن أن نرفض الوظيفة الدلالية للغة؛ ذلك ان اللغة لم تعد وظيفتها قائمة في الكشف عن الأشياء، بل الأشياء تظهر نفسها من خلال اللغة، والقارئ يقوم باستدعائها عبر النص. وبهذا يغدو النص مجرد وسيط محايد بين المبدع والمتلقي، وتنبع حياديته من كونه ثابتا في شكله، الأمر الذي يجعل عملية الفهم ممكنة ويسمح بتلقيه من جيل إلى آخر. وتبقى الحقيقة التي يتضمنها النص غير ثابتة، وإنما تتغير تبعا لتغير فهم المتلقي وقبلياته وأفقه الخاص. والنص هنا، لا يعكس رؤية كاتبه، وليس له أن يفرض على المتلقي إرادة مبدعه، وإنما هو ملك لقارئه فحسب، يفعل به ما يشاء. ولهذا، على القارئ أن يقحم دوافعه الذاتية في القراءة، إذ تعتبر هذه الدوافع عوامل أصيلة في عملية الفهم؛ ذلك أن الفهم إبداع مستقل عن النص وإن كان يتم بالاستعانة بإيحاءات النص، ولا ينبثق مثل هذا الفهم إلى الوجود إلا بعد أن يحدّ القارئ من سلطة النص، ويكفه عن التدخل السافر في إنتاج الدلالة، ويتعامل معه بوصفه علامات ورموز جاهزة لتصرف القارئ واملاءاته. ومن هنا وجدت الهرمينوطيقا بغيتها في التفسير الرمزي للنص، وذلك: إما باعتبار الرمز وسيطاً شفافاً ينم عما وراءه من معنى، بحيث يتم استجلاؤه وابراز الدلالة فيه من خلال قدرة العلامة على إيجاد صلات استدعائية بغيرها من العلامات، واحتوائها على قابلية تأويلية تربط بين الدلالات، وإمكانية تعبيرية تجمع بين المتفارقات. ولا تنفتح إمكانيات التأويل هذه إلا بعد إقالة الكاتب عن ممارسة أي دور فيه، وقصر النظر على بنية النص بما فيها إحالاته الصامتة. وإما باعتبار الرمز حقيقة مؤقتة يجب تجاوزها لبلوغ المعنى المختبئ وراءها، فالرمز هنا لا يشف عن المعنى بل يخفيه ويستبدله بمعنى زائف، ومهمة المفسر استعادة المعنى الصحيح وفضح المعنى الزائف. إلى هنا، فإن المعنى الذي يريده مؤلف النص يكون قد افتقد عنصر الثبات، واستبدِل "هرمينوطيقيا" بالفهم، وأخضع الفهم للتحول والتغير تبعا لما يريده قارئ النص وليس كاتبه. وقد جاءت القراءة التفكيكية تالية للقراءة البنيوية، فعمدت إلى دراسة النص دراسة تقليدية، متوخية في ذلك الانقضاض على نتائج ما توصلت إليه تلك الدراسة، وذلك من خلال إجراء قراءة معاكسة، مهمتها تقويض ما كان يصرح به النص فعلا. وهي تسوغ ذلك باعتبار أن التفكيك سوف يخولنا أن نتجاوز المعنى السطحي للوصول إلى معنى المعنى. وإذا كانت التفكيكية قد قطعت شوطا ما في تقويض الدراسة التقليدية، إلا انها لم تفلح في إيجاد القراءة البديلة، واقتصر انجازها على التقويض والهدم.
*    *    *
[1] القراءة بحسب هذا المنظور لا يمكن أن تكون بريئة؛ إذ كل قراءة تعتبر صحيحة إلى أن يتم استبدالها بقراءة جديدة، وبذلك تتحوّل القراءة الأولى إلى "إساءة قراءة"، وهكذا الأمر في القراءات اللاحقة. وعدم وجود قراءة بريئة لا يعني أن القراءة خاطئة، لأنه لا وجود أصلاً لقراءة صحيحة، بل ان كل قراءة هي عملية خروج عن المألوف، وإجراء تحوير مستمر للحقيقة. وإذا كان من الخطأ اعتبار وظيفة القراءة هي تفسير النص، فلا يتوقع القارئ من النص أن يزوده بأي معنى. وبهذا لا تخلو أية قراءة حداثية للقرآن الكريم من إساءة قراءة، باعتبار أن دلالة النص القرآني ليست ثابتة، وأن كل قراءة هي في ظرفها الخاص صحيحة، ولا توجد قراءة خاطئة على الدوام، وبهذا يكون النص القرآني مفتوحا على جميع الدلالات والاحتمالات، ويغدو علامات ورموزا حاوية بحسب القابلية لكل الاتجاهات والأغراض. وليس من شأن القرآن - بحسب هذه الرؤية - أن ينطق بالحقيقة دفعة واحدة، أو يفصح عن المعنى النهائي، وإنما يندمج في علاقة تأويلية مع الحقيقة، دون أن يحد من دينامية التأويل تعارض القراءة وتناقضها، أو استغلاق النص عن الفهم، بل إن ذلك يقلّل من إمكانية استنفاذ الطاقة التوليدية للنهج الحداثي، ويدعم اثراء النص بكل جديد. وعليه، ما دام الله فوق تصور البشر، والعلاقة معه تمرّ بتوسيط اللغة، وحيث إن اللغة نسبية وخاضعة للتأويل، فليس لأحد أن يُقرر المعنى الكلي للقرآن، أو يفرض تصورا نهائيا لله، سيما وأن أي قراءة للقرآن الكريم لا يمكن أن تكون بريئة وحيادية؛ لأنها في المحصلة النهائية تستند إلى أفق القارئ الثقافي والعصري، وتتستر وراءها دوما دوافع وغايات لا تتسم بالحيادية. ومن هنا ينفتح المجال - بعملية تأويلية - لإقصاء كل تصور عن الله يدعي النهائية، وإحلال تصورات تخضع لمشيئة القارئ وأفقه الثقافي الراهن محله.
[2] رفعت البنيوية شعار "موت المؤلف" بصفته مؤسسا للنص، وأنزلته إلى مجرّد ناسخ للغة، وقطعت بذلك كل الصلات الحيوية بين المؤلف والنص، ممهّدة بذلك لإعلان ولادة القارئ. فالمؤلف مجرّد وارث ومستخدم للغة، واللغة هي التي تتكلم وتبدع المعنى بالارتكاز إلى أفق القارئ الثقافي وظرفه الراهن. وبإخضاع النص للقارئ ينكشف لنا حتمية ارتهان التنزيل الإلهي للتأويل البشري بحيث يمكن القول بأن القرآن قد تأنسن؛ ذلك أن النص القرآني بمجرد أن يحتك بالعقل البشري يدخل في دائرة الفهم الانساني ويخضع للسيرورة التاريخية والاجتماعية المحكومة بسقف الخبرة الآنية والتجربة المرحلية والموقف النسبي الذي تمليه ظروف العصر. والمعضلة هنا تكمن في أننا لسنا مخولين بالحديث عن المعنى بوصفه عنصرا قرآنيا ثابتا قابلا للاستهلاك والتوظيف، وإنما يمكن أن نتحدث عن حقيقة النص المتمثلة حصرا بفهم القارئ وقراءته له، فنتحدث عن انتاج القارئ وابداعه الحاصل من خلال تراكم معرفي يضفي على النص أبعادا جديدة لم تكن منظورة من قبل، وهذا يعني أن حقيقة النص وروحه مختزنة في داخل الإنسان، وأن الانسان بوصفه قارئا للنص مكلف بحرثه واستبذار المعنى الحقيقي فيه بما يتناسب وروح العصر. بهذا تتمثل حقيقة النص في نطاق الشرح والفهم فحسب، أما شكل النص فيغدو بمثابة الجسد الذي لا معنى له، ولا حياة له بدون الروح. وبعبارة واحدة علينا أن ندرك أن "فهم النص" قد نسخ "النص" وأنهاه. دون أن نهمل من حساباتنا أن هذا الإنتاج مستمر ويخضع لقانون إساءة القراءة ويتجدد بتجدد الظروف بفعل التراكم المعرفي المستمر، ويتعدد بتعدد القراءات بفعل نمو التجربة الانسانية وتمرحلها الدائم.
[3] بعد "موت المؤلف" على يد البنيوية، أعلنت التفكيكية لاحقا "موت النص". وبذلك أصبح القـارئ بمفرده في الميدان، فهو الذي يسهم في إنتاج النص، ويضفي عليه المعاني والدلالات. والنص هو بمثابة حقل ثري بالدلالات المضمرة والمعاني الخفية. ومهمة القارئ هي في أن يجري على النص عمليات حفر وتنقيب ضمن سيرورة لا تعترف بحد نهائي يستقر عليه الفهم، وهذا ما يضفي المشروعية للتأويل باعتباره يعمل في مجال مفتوح غير قابل للاختزال. وحينئذ لن يكون هناك أي نص بمنأى عن التأويل، بما في ذلك النص القرآني نفسه والذي يحتوي على مخزون دلالي هائل وفضاء إيحائي حافل بامكانيات القراءة إلى جانب كونه نصا متشابها حمال أوجه. وتنبع مشروعية التأويل من الفراغ الذي أصيب به النص وأفقده ثقل المركز، وحوّله بذلك إلى إشارات ودوال تحتاج الى مرجعية تضفي عليها المعنى، ويمكن تشبيه النص حينئذ بالجنين الذي يبحث عن أب يتبناه، وهذا الأب يتمثل بما يدور في ذهن القارئ ويضطلع به من إعادة بناء وخلق للنص وملء لفراغاته، وتضمينه الدلالة تضمينا دائميا لا يقبل التحقق النهائي، فالمعنى في حالة إرجاء دائم، والرمز في حالة إحالة دائمة بحيث لا يستقر على مدلول ثابت. وما دام النص القرآني حافل بالدلالات المضمرة التي لا تقف عند حد، لذلك يجب اطلاق عنان التأويل لاستفراغ المعاني الكامنة في النص وإيصاله إلى مرحلة الصفر التي يتماهى فيها مع كل الاحتمالات الممكنة، وهي مرحلة: النص الذي لا يعني شيئا محددا، وفي نفس الوقت يمتلك قابلية أن يعني أي شيء.
[4] النص ليس كيانا مقفلا على نفسه، وإنما هو نتاج لسلسلة من العلاقات المتشابكة مع نصوص أخرى، ومخاض لـ كم هائل من الدلالات ذات المصادر المتباعدة، كـل نص هو صدى لنص آخر، واستجابة لثقافات متشعبة تخضع لجدل علائقي مستمر. وحيث إن القارئ له أفقه وتوقعاته، فلا يوجد نص وإنما يوجد تناص. وبهذا المعطى، يغدو النص القرآني بحسب هذا المنظور صدى لنصوص سابقة عليه أسهمت في تشكيله وابداعه. والنص يتخلله الصمت، ويتسم بقابلية الاستنطاق، فلا يوجد نص إلا والى جانبه شيء مسكوت عنه، وهذا الفراغ يمنح القارئ الحرية في تقويل النص ما لم يقله، ويمنح النص مجالا مفتوحا لاخصاب المعنى بصورة لانهائية. وهذا يعني أن القارئ مدعو إلى التحرر مما يقوله النص - بما في ذلك النص القرآني - والى إقصاء المرجعية القصدية للمؤلف كليا؛ إذ الفهم رهن بالتحرر من سلطة النص، ويتم ذلك بالكشف عن الغامض والخفي والمستبعد في النص، والافصاح عما لم يقله المؤلف مما هو مسكوت عنه فيه، ولهذا يحتاج النص إلى عين ناقدة ترى فيه ما لم يره المؤلف، بل وتجد فيه عكس ما صرح به ولو بالاستعانة بما يقوله النص نفسه.
[5] تنشأ الدلالة المعجمية بحسب السائد من تقييد اللغة بالمعنى، في حين يخالف المنهج الهرمينوطيقي هذا التوجه، ويذهب إلى أن الدلالة انما تنشأ من تحرير اللغة من المعنى وافراغها منه، فاللغة يسودها نظام من العلامات الحرة والإشارات العشوائية والرموز المتفلتة من أي قيد، وهذا الأمر هو الذي يسمح بنمو العلاقات داخل النص، ومن خلال اللعب الحر هذا يتم إيصال الدلالة إلى مرحلة لانهائية المعنى، وبعبارة مرادفة إلى اللامعنى. والرمز هنا يسعى إلى تجنب دوره القديم في الايماء الخفي الى ما هو أعمق وأبعد غورا، ويتمرد على الوضعية السائدة التي تجعل وجوده لغيره وليس لنفسه، وهو يتبرأ بذلك من قرينه المتمثل في المرموز إليه، ويتخلى عن دوره كدال يهتدي القارئ به، وهكذا ولمرة واحدة تُرِكت الساحة للقارئ لكي يملأ فراغات الرمز ويضفي عليه الدلالة التي يشاء. من هنا علينا ان نتعامل مع النص القرآني - بحسب المنظور هذا - بوصفه حقلا ملغوما بالرموز والاشارات التي تتيح للقارئ أن يضمنها بما يريد ويرغب، فالرمز لا يقول كل الاشياء، وما يقوله يظل قابلا للتعميم، حمال أوجه، يقبل الإيحاء وإنتاج المعنى إلى ما لانهاية. ويشبه أن يكون النص - بما فيه القرآني - قابلية محضة للاستنطاق؛ ذلك أن الرمز ليست مهمته التنبؤ بالمعنى المتحقق فعلا والموجود مسبقا في قصد المؤلف، وإنما مهمته هو الترقب للمعنى الذي سيولد لاحقا في ضمير القارئ.
*    *    *
هذه نبذة عن مجمل آليات الفهم التي استهلكها الفكر الغربي وأجهضها، ولا يزال الخطاب الحداثي العربي يجترها على أنها المنهجيات الحديثة اللازمة لفهم النص. وغالبا ما يتسلّل في قراءة النص القرآني قراءة حداثية من ثغرة "التأويل"، ذلك التأويل الذي لا تربطه صلة بمفهوم التأويل القرآني. وأما "التفسير" الذي يهدف للكشف عن مراد صاحب النص فلن يشبع غرور الحداثي طالما انه يتوسل من خلال المنهج المتبع لديه الى تجاوز النص وصاحبه جملة وتفصيلا. وتجدر الاشارة إلى أن هذه الخلاصة، قد تكشف عن نزعة متطرفة في الاتجاه الحداثي بحسب مصادره الاصلية، وهي مع ذلك تفصح عن نفسها في مجمل "المشاريع" الحداثية العربية التي استلهمت أسس الحداثة وبنيتها من هذا المشرب بالذات، وإن بدت لنا في ظاهرها ملطفة ومخففة عن النسخة الأم. وأخيرا، فإن القراءة الحداثية قد تبرر لأمثالي تقييم المنهج السائد فيها تقييما سلبيا وذلك انطلاقا من هذا المنظور الخاص. لكن هذا التقييم لن يزيد عن كونه - ومن نفس المنظور - قراءة خاصة لا تلزم الا قارئها. وبهذا قد تملك زمام التفلت من أي مأخذ بحقها يكون صادرا عن نفس قواعد اللعبة. الا انها - ومن منظور آخر - لن تعدو أن تكون في المحصلة النهائية ارجاعا لنزعة قديمة تأرجحت بحسب معطياتها بين مآلين: إما الوقوع في فخ "التصويب"، وإما الارتهان لمأزق النسبية والعبثية والعدمية.

 ha.ye.ba

النص القرآني في ضوء القراءة التاريخانية

نحن هنا إزاء معطى محدد: كيف نتعامل منهجيا مع النص الديني؟ وتنشأ المجازفة في هذا النوع من البحث حين نقارب النص القرآني وفق آليات منهجية تتسم بالتوتر والنسبية ولا تقر أي لون من ألوان الثبات. وهذا النمط من الدراسات لا تستسيغه الأطر التقليدية السائدة في فهم النص إذ ترى في مجمل الطروحات الحداثية على اختلاف أنظارها نوعا من تعمد سوء الفهم القائم على أساس من القطيعة مع التراث، وتنم عن سعي حثيث نحو إيجاد سلطة بديلة ترتكز في مرجعيتها إلى فهم النص «من خارجه». ويتم ذلك عادة في حقل اللسانيات الذي يشهد نشاطا خصبا على مستوى الدراسات المعاصرة، وهو نشاط تأويلي قائم على الرمزية ومهجوس بطابع الانزياح الدلالي الذي من شأنه أن يحرر القارئ من إسار حرفية النص بما يجعله على المحك في علاقته بالنص الديني، ذلك النص الذي ينبغي أن يتسم دوما بدرجة ما من الثبات والوضوح. وبالإضافة إلى اللسانيات تعتمد المناهج الغربية الحديثة في دراستها للقرآن الكريم بشكل أساس على المنهج التاريخاني.
النزعة التاريخية (التاريخانية)
التاريخانية ( Historirisme ) غير التاريخية ( Historite ). وقد عرفّت بأنها مذهبة التاريخ ضمن بوتقة مفهومية ترى أن التاريخ محكوم بقوانين موضوعية تسير به مسبقاً نحو غاية ثاوية فيه تحملها طبقة أو أمة أو عرق.. والمقصود بالتاريخانية هنا التاريخ كمبدأ وحيد للتفسير، تفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان (حتى الديانات) عن طريق شروطها التاريخية، فالتاريخ يكفي نفسه بنفسه، ولا علاقة له بأي مبدأ آخر للتفسير، لأن التاريخانية تنفي كلّ المبادئ الأخرى كالغيب والوحي والرسالات.. والتاريخانية ليست مجرّد منهج بل هي مذهب يرى بأنّ كلّ حقيقة - مهما كانت النتيجة - للشروط التاريخية. وبحسب هذا المذهب فإننا لا نستطيع الحكم على الأفكار أو الحوادث أو المفاهيم والمعتقدات والأديان ونظم الجماعات، إلا بنسبتها للوسط التاريخي الذي ظهرت فيه؛ إذ النظر إليها من ناحيتها الذاتية يوقعنا في التباسات اختزالية مقيتة... بينما نسبتها للوسط التاريخي ستضعها في إطار المعالجة والرؤية الموضوعية لخصائصها وتركيبها ومظهرها. لذا فلا مناص من ضرورة النسبة الحتمية للتاريخ؛ إذ سر كل شيء وروحه هو التاريخ، وسر الروح إنما يعرض نفسه في التاريخ حسب المسيحية؛ وعلى التاريخ في العلم والفن والدين والفلسفة والقانون حسب هيغل. ويفضّل محمد أركون استخدام مصطلح التاريخية على التاريخانية، باعتبار أن التاريخانية هي القول بأن كل شيء يتطور مع التاريخ، وانه ينبغي دراسة الأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية، بينما تهدف التاريخية تحديدا إلى إقصاء الاستخدام اللاهوتي والإيديولوجي للتاريخ، والإفضاء بالتالي إلى مقولة التفسير التاريخي للقرآن باعتبار أن مضامينه موافِقة لظروف معيشة وأفق محمدP ومستمعيه الأوائل، لكنها لم تعد تتوافق مع ظروف معيشة وأفق قارئ اليوم الحضاري. أما نصر حامد أبو زيد، فيتفاوت المنهج التاريخي عنده ما بين تاريخية لا تعترف بصعيد خاص للظاهرة الدينية ولا تقرُّ به، وتتعامل معها كأية ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية عادية، انطلاقًا من ذاتيتها المباشرة والزمكانية، وبين تاريخانية تأخذ بالاعتبار البعد التزامني، التطوري، للظاهرة الدينية، والأصعدة الخاصة للظاهرة (الميثولوجية، الميتافيزيقية، والجمالية)، باعتبار الدين ظاهرة ميتافيزيقية. وبعكس التاريخية (أو التاريخوية) التي تنطلق من فرضية وجود مسار موضوعي (وضعي) أو اتجاه عام، غائي، سببي، وعِلِّي، يقوم على قوانين تحكمه، ويمكن بناء الحكم على أساسها، فإن المنهج التاريخاني يرى أن الظاهرة الدينية تشتمل على «قيمة» متعالية، لا تخضع لقوانين المنطق الصوري ولمبادئ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع. وإذا كانت النظرة التاريخوية تؤكِّد على بطلان المعقولية الدينية، دون التمييز ما بين الثيولوجي والميثولوجي، بين الدين والدينية، فإن النظرة التاريخانية تجد أن أشكال القدسي والرمزي محايِثة في أكثر أشكال الحداثة العقلانية. ومن نافل القول إن موضوعات الحياة وآداب المعاملة والحب والجنس والجمال والبيئة لها قيمة مقدسة. إن تبنّي أركون للتاريخية بما هي ميزة تتكفل جانب إقصاء الاستخدام اللاهوتي والإيديولوجي للتاريخ، يكشف عن الوجه الإيديولوجي الذي يغلّف النزعة التاريخية وجانب القلق في ادعائها العلمية والمنهجية، كما أن تمسّك أبو زيد بالتاريخانية وعيا منه بخصوصية الظاهرة الدينية واشتمالها على قيمة ميتافيزيقية متعالية فوق منطقية لا ينبغي أن يفهم منه إلغاء خطوط التقاطع في امتهان المنزع التاريخاني العتيد.
التاريخانية والنص القرآني
ثمة محاولات لإخضاع القرآن للقراءة التاريخية، ففي جهة الاستشراق، نجد أن المناهج التي اتبعها المستشرقون في دراسة القرآن، وخلال حوالي المئة والخمسين عاماً، تدّعي في أكثرها أنها تاريخية أو تاريخانية ونقدية، وما توصلت لأكثر مما توصل إليه تيودور نولدكه [1] الذي يقع كتابه «تاريخ القرآن» في أولها (صدرت صيغته الأولى عام 1859). وأن ما انتهى إليه برتزل وجفري أولاً، ثم بلاشير وبارت ثانياً أن الطريقة التاريخانية النقدية غير مثمرة، لأنها تتعامل مع القرآن كما تعاملت مع النصوص المخطوطة، والتي لها مخطوطات عدة تختلف نصاً وقِدماً ودقة، وأنها إنما تريد باستعمال اختلافات النسخ الوصول إلى نص محقق أقرب إلى ما كتبه «المؤلف» أو تركه. فهناك بالنسبة إلى هذه المدرسة نص أول للقرآن غطته أو حرّفته أو حررته نصوص ثوان وألْسنة، وهي تطمح لإعادته للطبعة الأولى أو للمخطوطة الأولى. وقد حكم نولدكه على هذه المحاولة بالخطل منذ البداية عندما قال إن النص القرآني يعود إلى القرن السابع الميلادي، وليس فيه أَوْ لَهُ أصولٌ وفروع، بل هو نص واحد «على غرابة ترتيبه وتركيبه». وما منع ذلك كلاً من أوتو برتزل وآرثر جفري من جمع اختلافات القراءات ومخطوطات القرآن الأقدم، وطوال عقود، إلى أن تخليا عن المشروع «التحقيقي» و«النقدي» بعد الحرب الثانية. وفي جهة الاستغراب: ثمة محاولات أيضا للخوض في هذا الاتجاه، نلحظ من دعاته وإن بنسب مختلفة ومتفاوتة: الطيب تيزيني في النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة. عابد الجابري في التراث والحداثة. هاشم صالح في القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. علي حرب في نقد النص، ونقد الحقيقة. نصر حامد أبو زيد في الخطاب والتأويل، ومفهوم النص. أدونيس في الثابت والمتحول. محمد أحمد خلف الله في الفن القصصي في القرآن. محمد شحرور في الكتاب والقرآن قراءة معاصرة. صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني. حسن حنفي في دراسات إسلامية، ومفهوم النص. وقد اشتغل المفكر الجزائري محمد أركون منذ ثمانينيات القرن الماضي على وضع آليات قراءة النص الديني وفق منظور المنهج التاريخي موضع التنفيذ، وانخرط في فضاء فكري مختلف عن البيئة الثقافية الأصلية التي ينتمي إليها ويشتغل عليها، مما أتاح له وضعا أكثر موائمة وتحررا وانفلاتا من القيود والشروط التي تقتضيها طبيعة التفاعل مع المحيط الأصلي الذي يصب عليه فكره. وقد دعا أركون إلى ممارسة النقد التاريخي على النص القرآني بقوله: عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن. واتسم طرحه بالإخلاص العميق للنزوع العلماني الليبرالي من خلال انخراطه الكلي بالأسس المنهجية الغربية، التاريخية والتفكيكية، دونما مراعاة للخصوصيات المحيطة، وكذلك من خلال متابعته للنشاط الاستشراقي الذي ينبغي بنظره التعامل معه بوصفه قناة الوصل النقية التي لا ينبغي التشكيك بجدوائيتها العلمية من جهة أخرى. وشيئا من هذا، لم يتوفر لنصر حامد أبو زيد الذي وجد نفسه في ذات الطريق ولكن في ظرف مختلف كليا عن سابقه، فقد دعا أبو زيد للتحرر من سلطة النص والقراءة الحرفية، وإلى التأويل بمقتضى المنهج التاريخي في ضوء مبدأ التطور والتغير في الأزمنة والأحوال. وبسبب اعتناقه لهذه الفكرة في منتصف التسعينيات كان عليه أن يواجه حكما بالارتداد عن الدين، نتيجة تثويره الفكري ونمطيته المتوترة، فقد كان يصدر عن خلفية حداثية مهجوسة بمزاج إسلامي تثويري. ونظرا لتشعب الموضوع سوف نعمد إلى الاستشهاد بآراء محمد أركون كونها الأكثر أداءا والأوفى تمثيلا للخطاب العلماني الغربي على مستوى الدراسات القرآنية، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تمثله هذه الآراء من مسار عام على مستوى تطبيقات النزعة التاريخية المنهجية دون الوقوف عند شخص قائلها.
تاريخية النص القرآني
يتعامل الخطاب العلماني مع النص القرآني بوصفه «نصا تاريخيا»، وهذا يعني:
1) إخضاع النص القرآني للقراءة النقدية عن طريق النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفكيكي، ونحوها من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية.. فيفترِض الخطاب العلماني وجود مشكلة تعترض سبيل فهمنا للنص القرآني، وتتحدد هذه المشكلة في وجود فَرْق بين النص المقروء في زمن نزوله على النبي (ص)، وبين النص المكتوب بين دفتي المصحف، ويصرح أركون بأن المقدس الذي نعيش عليه أو معه اليوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائدا أيام النبي. إن التفكيك بين القرآن والظاهرة القرآنية، الشريعة والفقه، الدين وفهم الدين، المعنى والمغزى.. على أساس التمييز بين ما هو إيماني وما هو تاريخي من شأنه أن يمهد السبيل لإرساء الظاهرة الدينية على قاعدة التاريخ. وكما يقول أركون: أما التمييز بين القرآن الكريم والظاهرة القرآنية فأقصد به الفرق بين تغذية الروح الإسلامية بكلام الله تعالى، ودراسة النصوص القرآنية كما ندرس الظاهرة الفيزيائية أو البيولوجية أو الاجتماعية أو الأدبية، وبهذا يمكن لنا - بحسب الزعم - تجاوز العراقيل التي تحول دون فهمنا لآيات القرآن في الوقت المعاصر. وتتمثل العرقلة في أن القرآن يقوم - عن طريق العمليات الأسلوبية والبلاغية - بخلع التعالي على أحداث تاريخية واقعية حصلت في زمن النبـي (ص)، ولكنها حوّرت من قبل الخطاب القرآني لكي تتخذ دلالة كونية تتجاوز خصوصيتها المحلية، وتصبح وكأنه لا علاقة لها بحدث محدد وقع في التاريخ المحسوس.. فالقرآن يمحو المعالم المحسوسة والإشارات التاريخية الدقيقة عن طريق أسلوب التسامي والتصعيد، أي تصعيد هذه الأحداث بالذات، وإسباغ الروحانية الدينية والكونية على مفردات ذات مضمون اجتماعي وسياسي وقانوني في الأصل. وهكذا ينجح القرآن في محو كل التفاصيل والدقائق التاريخية للحدث، ويصبح خطابا كونيا موجها للبشر في كل زمان ومكان، وهكذا يفقد صفته التاريخية فيبدو وكأنه خارج التاريخ أو يعلو عليه. هذه المحاولات من القرآن هي محاولات أيديولوجية، أي أن القرآن يفعل ذلك ويتعالى بالتاريخ لمقاصد وأغراض دنيوية. فقداسة القرآن هنا ليست أصلية وإنما دخيلة، وليست جوهرية وإنما سطحية، وليست حقيقية وإنما مصطنعة حصلت لأسباب سياسية وثقافية وتلاعبات فكرية، وأن هذه التلاعبات قد كشفها النقد وتبين زيفها فيما يخص التوراة والإنجيل، أما بالنسبة للقرآن فإن هذا لم يحصل بعد فلا يزال كتابا مقدسا يحتوي على مساحة كبيرة من اللامفكر فيه. ومن هنا يطمح الخطاب العلماني - كما يدعي - إلى نزع هالة القداسة عن الوحي بتعرية آليات الأسطرة والتعالي والتقديس التي يمارسها الخطاب القرآني، فننظر إلى القرآن ليس على أنه كلام آت من فوق، وإنما على أنه حدث واقعي تماما كوقائع الفيزياء والبيولوجيا، أو أن ندرسه بوصفه نصا فقط ونصا لغويا دون أي اعتبار لبعده الإلهي لأن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق على النص يعكّر كون النص منتجا ثقافيا، ويعكر الفهم العلمي له. ولأن النصوص الدينية ليست مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت فيها، والمصدر الإلهي لها لا يلغي كونها نصوصا لغوية مرتبطة بزمان ومكان، ولا يهمنا هذا المصدر الإلهي، وكل حديث فيه يجرنا إلى دائرة الخرافة والأسطورة. وعليه، فالفهم الصحيح للقرآن يتوقف على إزاحة هذا الغطاء الإيديولوجي المصطنع عن وجه النص القرآني، وقراءته على أنه نصّ تاريخي أدبي تطبق عليه المناهج الحديثة المختلفة في دراسة النصوص الأدبية والتاريخية، كمناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومنهج التاريخ المقارن للأديان. ذلك أن النظر إلى القرآن نظرة نقدية تاريخية إنتربولوجية من شأنها أن تزعزع جميع الأبنية التقديسية والتنزيهية التي بناها العقل اللاهوتي التقليدي، وبالتالي تعمل على إفراغ الدين من محتواه الإيديولوجي وتحديد مساحته في إطار علماني ممنهج. وفي سبيل تحقيق الغايات المنشودة، يدعو الخطاب العلماني إلى التوسل بالدراسة التفكيكية للنصوص المقدسة، والى قراءتها على أنها نصوص تاريخية منفصلة عن مصدرها، أو ما يسمى في البنيوية بموت المؤلف. كما يتبنى هذا الخطاب في دراسته للقرآن الكريم الهيرمنيوطيقا التي تقوم في الدراسات الأدبية على التفرقة بين المعنى والمغزى، حيث إن المغزى قد يختلف لكن معناه ثابت، والمغزى يقوم على العلاقة بين النص والواقع، والواقع متجدد ومتغير. وهذا اللفظ يعني تأويل النصوص الدينية بأسلوب خيالي وبطريقة رمزية تبتعد عن المعنى الحرفي المباشر، وتحاول كشف المعاني الخفية وراء النصوص المقدسة. وإن التفريق بين معنى ومغزى النصوص، المعنى الذي يمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها، والمغزى الذي هو محصلة قراءة عصر غير عصر النـزول، هذا التفريق المزعوم يقتضي الحكم على كتاب الله باعتباره (نصوصا) تاريخية، ويوضح ذلك أن مصطلح تاريخية النصوص المقدسة متأثر إلى حد كبير بإسقاط النظرية النسبية في الدراسات الأدبية والتاريخية المعاصرة على النص القرآني.
2) إخضاع النص القرآني للقراءة كنصّ بشري، أو كنصّ إلهي محكوم بسقف التاريخ والثقافة. اذ تدعو التاريخية إلى تفريغ جعبة النص الديني من مفاهيم العالمية والاطلاقية ونزع صفة الخلود والصلاحية لكل زمان ومكان عنه، وذلك بغية الالتفاف على حقيقة كونية القرآن من خلال إحالته إلى التاريخ والنظر إليه باعتباره نصا تاريخيا محكوما بشروط تاريخية وظرفية يزول بزوالها، وتعمل على ربط القرآن بسياقات تنـزله، وتفسير معانيه تفسيرا تداوليا قاصرا من خلال الخوض في مسألة أسباب النـزول والناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وغيرها من القضايا.. فالغاية من أرخنة الخطاب القرآني بحسب تعبير أركون هي العودة بالقرآن بشكل علمي إلى قاعدته البيئوية والعرقية ـ اللغوية والاجتماعية والسياسية ـ الخاصة بحياة القبائل في مكة والمدينة في بداية القرن السابع الميلادي، وهذا الجهد يجد مشروعيته في القول بأن القرآن الكريم خطاب تاريخي يتغير فهمه ومعناه مع تغير الزمان والمكان، وبناء على ذلك فما جاء فيه من عقائد وشرائع تتغير وتتبدل مع تبدل الزمان والمكان، وهذا التبدل لا يقصد منه هنا المرونة في الاجتهاد الفقهي المواكب لمتغيرات الواقع عبر الزمان والمكان بمقدار ما يعنى به عدم صلاحية الحكم الشرعي لكل زمان ومكان، فهو وقتي، بمعنى أنه جاء لوقت قد مضى، ولم يعد يتلاءم مع الوضع الحالي، وبالتالي، يجب أن تتغير تفسيراته بما يناسب الوضع المستجد! وثمرة هذا الجهد تظهر فقط في استنباش (وليس استحضار) اللحظة التاريخية الأولى التي تتكشف عن المعنى المدفون تحت أنقاض المؤامرة الإيديولوجية القابعة في مخيال الباحث العلماني، ذلك أن قراءة النص القرآني كنصّ محكوم بسقف التاريخ والثقافة من شأنها أن تكشف لنا عن الخلفية السياسية والثقافية للتلاعبات الفكرية، وهذا النقد سوف يساهم في تعرية النص القرآني من زيف القداسة تماما كما حصل بشأن التوراة والإنجيل. إلا أن الذي حصل بالفعل عند تصفح بنيات التطبيق المنهجي التاريخاني التي ساهم بانجازها العلمانيون العرب، وبالتحديد أمثال محمد أركون، هو وقوعهم في فخ التقليد والمحاكاة التطبيقية الهزيلة لما أحدثته الدراسات الاستشراقية التاريخانية على مستوى التوراة والإنجيل، وسوف نحاول الوقوف فيما يلي على عملية الإسقاط الحرفي والتي تنم عن تجاهل مطبق للخصوصية القرآنية والتراثية حتى ليخال القارئ لهذا الحقل أنه بإزاء انبعاث استشراقي مندثر بامتياز. وسوف نسوق هنا لبعض المداليل المباشرة التي أفضت إليها الممارسة المنهجية التاريخانية والتي تفصح عن مستوى الخطاب العلماني في سلوكه البحثي للنص القرآني:
- الأسطرة ومشابهة التوراة والإنجيل: يربط أركون بين القرآن والتوراة بوصفه الخطاب الأسطوري فيقول: إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الأسطوري. ويعقد صلة بين القرآن والأناجيل، فيقول: إن القرآن كالأناجيل ليس إلا مجازات تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكوِّن قانونا واضحا. فالقرآن الكريم برأيه يشكل نصا أسطوريا.
- تشريعية القرآن الكريم: إن القرآن – كما الأناجيل – ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري لا يمكن أن تكون قانونا واضحا. وإن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تُتلقى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير مُحوَّرة عن مطامح ورؤى، وعواطف حقيقية، يمكن فقط للتحليل التاريخي السيسيولوجي (الاجتماعي) والبسيكولوجي (النفسي) اللغوي – أن يعيها ويكشفها. وفي هذا يشير أركون بإشارة واضحة إلى نفي كون القرآن الكريم مصدرا للتشريع، فالقرآن في نظره مجرد مجازات أدبية وحكايات أسطورية ليس لها صلة بالواقع .
- القصص القرآني: لم يذهب أركون بعيدا عن الموقف الاستشراقي من القصص القرآني في زعمهم نقلها عن التوراة والإنجيل، ويردد مزاعم من سبقه من المستشرقين، فيقول: ننتقل الآن إلى النقطة الثالثة من موضوعنا: وهي التداخلية النصانية بين القرآن والنصوص الأخرى التي سبقته، وهنا نريد أن نقوم بقراءة تاريخية أفقية للخطاب القرآني، وذلك ضمن منظور المدة الطويلة جدا، بحسب تعبير المصطلح الشهير للمؤرخ الفرنسي فيرنان بروديل، وهذه المدة الطويلة جدا سوف تشمل ليس فقط التوراة والإنجيل، وهما المجموعتان النصيتان الكبيرتان اللتان تتمتعان بحضور كثيف في القرآن، أو في الخطاب القرآني، وإنما ينبغي أن تشمل كذلك الذاكرات الجماعية الدينية الثقافية للشرق الأوسط القديم، وبهذا الصدد يمكن القول إن سورة الكهف تشكل مثلا ساطعا على ظاهرة التداخلية النصانية الواسعة الموجودة أو الشغالة في الخطاب القرآني، فهناك ثلاث قصص هي: أهل الكهف، وأسطورة غلغاميش (يقصد به: الخضر) ورواية الإسكندر الأكبر (ويقصد: به ذي القرنين) وجميعها تحيلنا إلى المخيال الثقافي المشترك والأقدم لمنطقة الشرق الأوسط القديم. وفي سبيل قيام دراسة نقدية تمحص تلك الأخبار، يقول: ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس.
- الرمزية: تبنى أركون منطق التفسيرات الرمزية الباطنية التي هي امتداد لمذهب الرمزية لدى فرويد، وماركس، ونيتشه، والتي ترى أن الرمز حقيقة زائفة لا يجب الوثوق به بل يجب إزالتها وصولا إلى المعنى المختبئ وراءها. وهو كثيرا ما يكرر مصطلح الرمزية في فهم النص، أو ما يسميه بالرمزية السيميائية (الدلالية) في فهم وتفسير النص. ويمجد أركون بالتفسيرات الباطنية فيقول: نجد بهذا الصدد أن القراءات الرمزية للصوفيين، والقراءات المجازية للغنوصيين الباطنيين هي أكثر خصوبة بالمعلومات والدروس تجسيد أو تحيين العجيب المدهش المحتمل وجوده في القرآن.
- جمع القرآن الكريم: بخصوص الموقف من جمع القرآن الكريم يذكر أركون الروايات الإسلامية حول كتابة القرآن الكريم في العهد النبوي وجمعه في عهد أبي بكر وعثمان، ثم يعقب بعدم تسليمه بهذه الروايات الإسلامية ويثني على الكتابات الاستشراقية الناقدة لصحة جمع القرآن أمثال كتابات المستشرق الألماني نولدكه، في كتابه تاريخ القرآن، وشوالي، وبيرغستراسير في كتابيهما جمع القرآن، وتاريخ النص القرآني، والمستشرق الألماني ربيجيس بلاشير.
- الغيب في القرآن الكريم: يعلق أركون على ما ورد في سورة التوبة من الأمر بجهاد المشركين وما أعدَّه الله من النعيم في الجنة للمجاهدين في سبيل الله بقوله: هكذا نجد أن كل الخطاب القرآني يوضع داخل التاريخية الأكثر اعتيادية ويومية، ولكن هذه التاريخية تحوَّر وتُحوَّل إلى نوع من تاريخ الخلاص الأخروي. ويقول: ولكن ظاهرة أن الخطاب القرآني قد استطاع بهذه الطريقة (ولا يزال) خلع القدسية والتعالي على التاريخ البشري الأكثر مادية ودنيوية والأكثر عادية وشيوعا ينبغي ألا تنسينا تلك الآتية والاعتباطية الجذرية للأحداث.. ليس الوجه الديني للتوبة إلا عبارة عن مجموع الصور أو التصورات التي تشكل مخيالا كونيا: أقصد الأنهار التي تجري، والمساكن الطيبة الموجودة في جنات، تستحيل في الزمان التجريـبي المحسوس الذي نعيشه.
إن سبر أغوار مفهوم «تاريخية النص» في الفكر الغربي، والذي يرجع تحديدا إلى ظهور الماركسية الجدلية من جهة، وظهور مفاهيم علم اجتماع المعرفة من جهة ثانية، يقود إلى أن الوجود الاجتماعي للناس هو الذي يحدد وعيهم أو علاقة الفكر بالواقع. وهذا يعني أن المجتمع هو أساس كل الظواهر الدينية والمعرفة، وأن المجتمع يتأثر ويؤثر في معطيات تلك المعرفة، وإذا اختزل الدين إلى مجرد انبثاق اجتماعي وفق هذه المنهجية فإن الحقائق الغيبية لن تزيد عن كونها مجرد أساطير لا تدخل في نطاق الحقائق المشاهدة. فقد حملت النزعة التاريخية في طياتها بذور الفشل بفعل انكفائها على نفسها، واتخاذها طابعا حتميا أدى بها إلى الاصطدام بالعمق الإيماني الميتافيزيقي، وإن حدة الموضوع وخطورته كان واحدا من الأسباب التي دعت الباحثين في الدراسات القرآنية في الغرب في الثلاثين سنة الأخيرة إلى التنكرُّ لأحادية المنهج التاريخاني ومذهبه الفلسفي، فعمدوا إلى تلافي الخلل من خلال دمج منهجي- تكاملي بينه وبين المنهج الظواهري، بينما فضّل آخرون العزوف كليا عن المناهج التاريخانية النقدية إلى قراءات مختلفة، كالقراءة المؤامراتية، والقراءة البنيوية، والقراءة التفكيكية، والقراءة الأنثروبولوجية، والقراءة الأدبية والأسلوبية.[2]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أثار كتاب نولدكه «تاريخ القرآن» الذي نشر عام 2004م حماسة بعض الحداثويين العرب كونه يمثل الريادة في مجال القراءة التاريخانية للقرآن، وقد بلغ الحماس ببعض هؤلاء إلى القول بأن هذا الكتاب «يمثل الثورة الكوبرنيكية بالنسبة إلى الدراسات القرآنية».
[2] الاستناد في إعداد هذه المقالة إلى المصادر التالية:
- نقد الخطاب الديني الجذب والنبذ، التفكير والتكفير: جميل قاسم (مقالة)
- الدراسات الغربية المعاصرة عن القرآن الأفكار والمناهج والنتائج: رضوان السيد (مقالة)
- انتهاك المقدس وتمييع مفهوم الإعجاز القرآني: أحمد إدريس الطعان (مقالة)
- الأثر الاستشراقي في موقف محمد أركون من القرآن الكريم: محمد بن سعيد السرحاني (ندوة)
- إشكالية العلاقة بين المنهج والنص الديني: الشيخ شفيق جرادة (مقالة)
- مئة عام على قانون العلمانية: محمد جمال باروت (مقالة)
- مفهوم التعالي وتأليه العقل في الفكر الغربي: غسان على عثمان (مقالة)
 ha.ye.ba

التأويلية الإسلامية وسؤال المعنى

[1]
يتم تناول النص من خلال ما يثيره من معان تنسبق منه إلى ذهن القارئ، ويتجلى المعنى وفق مستويات متفاوتة تساهم فيها المفردة اللغوية إلى جانب تركيب الجملة والسياق الكلي، فيكون للجملة بما لها من تركيب خاص دوراً مرجعياً في الإضاءة على المفردات اللغوية وتفسيرها، كما يكون للسياق العام مرجعيته في رسم تفاصيل الصورة الكلية للنص من خلال ضبط إيقاع الجمل وانتظامها بحيث يتشكل منها نسيج النص وروحه. وبهذا، يتجلى النص وفق سياقات وأساليب مختلفة بأشكال ومستويات متعددة، الأمر الذي يؤكد على ضرورة ملاحظة هذا التشابك الكلي كشرط للاستنطاق، واستقامة القراءة، بعيداً عن أحادية النظرة التي من شأنها توتير النص في مدلولاته المحتملة والحيلولة دون استنطاقه ومعننته. وقد تنشأ الصعوبة في القراءة من داخل بيئة النص، نظراً لاحتوائه على مادة غنية بالدلالات، تفترض مستوى من القراءة تسمح باستجلاء الزخم الكامن فيه، كما هو الحال بالنسبة للنص القرآني، إذ «كل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم، وكل عبارة وراءها عالم من الصور، والظلال، والمعاني، والإيحاءات، والقضايا، والقيم». وقد تنشأ الصعوبة من خارج النص حين يراد إسقاطه وتسييله وفق واقع ظرفي خاص أو توجه ذرائعي معين، ويفضي ذلك إلى تطويع النص وَلَي عنق الدلالة فيه بما يناسب وجهة النظر المحددة. هكذا بدا النص القرآني ملتبساً غائماً في كثير من المفاصل الأساسية للتاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي في الإسلام، نقع على هذه الحقيقة في عبارة النبي (ص) للإمام علي(ع): «تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل»، وفي تحذير الإمام علي (ع) لابن عباس من الانزلاق في معمعة التراشق الجدلي مع الخوارج: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإنه حمّال أوجه، ولكن حاججهم بالسنة». وما ذلك إلا بسبب غنى النص وقابليته للاستثمار وفق الأفق الثقافي الخاص بالقارئ، فإن انفتاح هذه الإمكانية من شأنه أن يهيئ أرضية خصبة للتأويل ويلقي بظلاله على سؤال المعنى الملحّ كقضية محورية تتطلب علاجات منهجية جامعة تسمح برسم المعالم الكلية للنظرية القرآنية في التفسير، وتنأى جانباً بالروح الجدلية التي ساهمت في تأطير النص وفق آليات خاصة أفضت لاحقاً إلى تحجير حركة الفكر. وقد شهد سؤال المعنى أشدّ مراحله جدلاً واضطراباً بين المسلمين في موضوعة الصفات الخبرية، وهي الصفات التي ينحصر طريق إثباتها بالأدلة النقلية فحسب، سواء ما يتعلق منها بذات الله تعالى، كالوجه، واليدين، والعينين، والساق، وغير ذلك. قال تعالى: (خلقت بيديّ) ص: 75، أو ما يتعلق بأفعاله جلّ شأنه، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك. قال تعالى: (الرحمن على العرش استوى) طه: 5.
النظريات الإثباتية
توزعت الآراء في الموقف من الصفات الخبرية بين مثبت للصفة والمعنى معاً وهو الاتجاه الحرفي، أو مثبت للصفة متصرف في المعنى وهو الاتجاه التأويلي الإجمالي، أو متصرف في كليهما معا وهو الاتجاه التأويلي التفصيلي. ونتناول في البحث هنا النظريات الإثباتية، سواء الحرفية منها أو التأويلية الإجمالية ومعالجاتها. فنعمد إلى رصد بنية النظرية عموماً من خلال تشريحها إلى عناصرها المكوّنة لها، والتي لا تتجاوز بحسب الملاحظة المبدئية الأربعة عناصر، وهي: إثبات الصفة أو نفيها، إثبات معنى الصفة وحقيقتها، والموقف من التجسيم والتشبيه، وعلاقة التفكيك والارتباط داخل بنية النظرية. ويتركز البحث حول العنصر الثاني تحديداً، وهو المقصود بسؤال المعنى، مع ملاحظة أهمية العنصر الرابع وهو مدى ارتباط وتلازم هذه العناصر فيما بينها داخل بنية النظرية الواحدة.
1 - نظرية التكييف
تقوم هذه النظرية على إبقاء الصفات الخبرية على ظاهرها بمعناها الحرفي دون تمييز صفات الخالق عن صفات المخلوق، وتفسّر مثل: «يد اللّه» و«عين اللّه» و«وجه اللّه» على أنها جوارح وأعضاء جسمانيّة، وتدعي أنّ لله سبحانه عينين ويدين مثلما للإنسان. وبهذا تقترف هذه النظرية جناية التشبيه والتجسيم مما هو باطل بصريح العقل والنقل. وتنسب هذه النظرية إلى «الظاهرية» و«الكرّامية» ويعرف أتباعها لأجل ذلك بالمشبّهة والمجسّمة. قال الشهرستاني: «أما مشبهة الحشوية فقد أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص». إذن، تدعو هذه النظرية إلى إثبات الصفة، وإثبات المعنى، وإثبات التجسيم: فهي تثبت اليد والوجه لله تعالى بالمعنى اللغوي المتبادر من المفردة، والذي هو الجارحة والآلة. وتصرّح نتيجة ذلك بالقول بالتجسيم. والتزام جانب الإثبات في كافة عناصر النظرية يجعلها تتوفّر على عنصر الانسجام والترابط الداخلي من الناحية المنطقية. وتنشأ الإشكالية هنا من عدم توافق النظرية فيما خلصت إليه من نتائج مع المضمون الإسلامي الثابت. فهي قضية كاذبة متناقضة بحسب النتيجة والمضمون؛ إذ أن القول بالتجسيم يتنافى ومقام الذات المقدسة، ويسقِط النظرية عن المقبولية، ولهذا لم تستطع هذه النظرية أن تشق طريقها إلى العقل الإسلامي الذي تعامل مع مقولة التجسيم كأصل متسالم على بطلانه عقلاً ونقلاً، وجعل منه معياراً في قبول الآراء ورفضها. وبالتدقيق في عناصر النظرية، نجد أن النص ينتمي إلى الوحي الإلهي بامتياز ويحظى بتوثيق من الدرجة الأولى، فيمتلك بذلك عنصر الثبات الأقصى، ولهذا فإن أي تصرّف في عناصر البنية يجب أن لا يطال ثبات النص. ومن جهة ثانية، إن لازم النظرية لا بد أن ينبثق عنها كضرورة حتمية بحسب المعنى اللغوي في تفسير المفردة، فإذا ثبت المعنى الإفرادي للنص الصريح في الجارحة بإجماع اللغويين، فهذا يحتّم الأخذ باللازم كنتيجة تلقائية لا تقبل التصرف أو التلاعب أو التحوير. وهذا يعني أن أي جهد توافقي يجب أن يتمحور حول العنصر الثاني من عناصر النظرية: إزالة ثبات المعنى. وفي هذا الجانب تحديدا يتركز جهد كل من نظرية «التفويض» ونظرية «نفي التكييف». إن هذا يجعلنا ندرك أهمية سؤال المعنى بالنسبة لهاتين النظريتين.
2 - نظرية التفويض
تقوم هذه النظرية على إجراء الصفات الخبرية على الله سبحانه وإثباتها له مع تفويض المراد منها إليه تعالى. فهذه النظرية تنفي التشبيه والتجسيم، وهي تتوقّف عن بيان المراد من هذه الصفات، ذلك أن اللّه تعالى أعلم بما أراد، ولا نعرف معنى الصفات، ولسنا مكلّفين بالكشف عن هذا المعنى فضلاً عن تأويله. وتترقى هذه النظرية إلى حد تحريم الخوض في الصفات الخبرية بدعوى أن الآيات المشتملة عليها هي من جملة الآيات المتشابهة التي نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها، وأمر عباده بالإيمان بها. قال سبحانه: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العالم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) آل عمران: 7. وتخلص بذلك إلى وجوب الإقلاع عن تفسير الصفات، وتفويض أمرها ومعانيها إلى الله سبحانه. ويتمثّل هذا الاتجاه بالجملة الشهيرة التي أطلقها مالك بن أنس في مقام تعرضه لمعنى الاستواء على العرش: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، وعلى هذا سلك أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الظاهري وغيرهم من الفقهاء. قال الشهرستاني: «إن جماعة كثيرة من السلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون إنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله: (الرحمن على العرش استوى)، ومثل قوله: (لما خلقت بيدي). ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وذلك قد أثبتناه». وقال الرازي: «هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها«. إذن، تقوم المعالجة في هذه النظرية على أساس إثبات الصفة حفظا للنص، وإسكات المعنى درءاً لمقولة التجسيم. وبهذا يتغلغل التفكيك داخل بنية هذه النظرية، فإن إسكات المعنى وإسقاط التجسيم لا ينسجم منطقياً مع إثبات الصفة، فهو تفكيك بين اللازم والملزوم، وبهذا يعوز النظرية عنصر الترابط والانسجام والتوافق داخل بنيتها. ومن هنا يتوجه سؤال المعنى عن التبرير المنطقي المسوغ لهذا التفكيك، فيتطلب إيجاد التوافق بين إثبات الصفة وإسكات المعنى من جهة، وإثبات الصفة وإسقاط اللازم من جهة أخرى. إن تبرير التفكيك بالاستناد إلى أن التفسير الصامت تفويضا أولى من التفسير الناطق تأويلاً، وأن التفويض أسلم من الإثبات، لن يدرأ غائلة التشبيه والتجسيم عن هذه النظرية، إذ السكوت عن الشيء إن لم يكن قبولاً بما له من ظاهر ولو استلزاماً، فهو وقوع تحت قيد مسائلة من نوع أشدّ: فيؤول إلى إدعاء أن الله تعالى خاطبنا بما لا نعقل، وهذا يعرّض النظرية لسهام العبثية - المنفية عنه تعالى بحكم العقل والنقل -، مضافاً إلى أن السكوت لا ينسجم مع الإعتقاد الذي يتسم بطبيعته بسمة الوضوح والبيان، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) إبراهيم: 74، فما هو «معروف» في عبارة مالك بن أنس المشهورة، لن يسعف هذه النظرية بعنصر الوضوح والبيان إلاّ أن يكون مدركا بنحوٍ يكون فيه «معروفاً» في الإطار القرآني والتقرير العقيدي. وما هو المعروف في إطار اللغة لا يرقى إلى مستوى المدلول القرآني والعقيدي ما لم يلحظ فيه سياق الآية ودوره في إسباغ المعنى.
3 - نظرية نفي التكييف
تقوم هذه النظرية على أساس إجراء الصفات الخبرية على الله سبحانه بالمعنى المتبادر منها ولكن «بلا تكييف»؛ جمعاً بين ظواهر النصوص ومقتضى التنزيه. فالله سبحانه له يد وله عين، ولكن يده وعينه ليست كأيدينا وأعيننا. وتنسب هذه النظرية إلى الشيخ الأشعري وبعض الفقهاء كأبي حنيفة والشافعي وابن كثير. قال الأشعري: «إن لله سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وإن له يدين بلا كيف، كما قال: (خلقته بيدي)«. إذن، تدعو هذه النظرية إلى معالجة من نوع مختلف عن سابقتها، تقوم على أساس إثبات الصفة، وإثبات (المعنى اللائق)، ونفي اللازم. ذلك أن إثبات الصفة يفترض إيجاد نوع من التجانس بينه وبين إثبات المعنى، كما أن نفي اللازم يفترض إيجاد نوع من التجانس بينه وبين إثبات المعنى. لذلك فإن إيجاد التناسب بين إثبات الصفة ونفي اللازم يستوجب تصرفاً في المعنى. وهذا التصرف يقوم على أساس الإقرار بوجود اليد بمقتضى حفظ النص، ونفي الكيفية عنها بمقتضى نفي اللازم. فتُحمل الصفة على المعنى اللغوي لليد مرفوعاً عنها الكيف. وبشيء من التدقيق نجد أن هذا النوع من التفسير يقوم على أساس التمييز بين مستويين من الدلالة: مستوى الدلالة اللغوية المعهودة (حفظاً للنص)، ومستوى الدلالة اللغوية مرفوعاً عنها الكيف (درءاً لما يلزم)، وما يبرر التمييز هنا، هو الحاجة إلى استحداث عنصر جديد إضافي يسهم في التجسير داخل بنية النظرية وردم الهوة ما بين الصفة واللازم. ولكن النظرية إذ تكشف عن إسهام العنصر الجديد في الوصل بين الصفة واللازم، تغفل في الوقت ذاته الثغرة الجديدة التي أحدثها إقحام هذا العنصر الجديد في بنية النظرية، كيف يتم الربط بين (المعنى الظاهر في الحقيقة اللغوية) والذي تم تحييده، و(المعنى اللائق) الذي تم ابتكاره، والحال أن المفاهيم متباينة بذاتها؟ في أفضل الأحوال، يمكن الإجابة بأن النظرية لا تستحدث معنى جديداً هنا، وإنما تقوم بإجراء تعديل طفيف عليه، فإن لفظ اليد مثلا يراد به نفس المعنى اللغوي الموضوع له، ويستعمل هنا بنفس معناه اللغوي مع حذف الشق المتعلق بالكيفية منه بداعي تنظيفه مما لا يليق بجلاله تعالى. وقد يتناسب هذا التحليل مع القول بأن الألفاظ موضوعة لروح المعاني، ولكنه لا ينسجم إطلاقا مع القول بأن الألفاظ موضوعة للمعاني بنفس كيفياتها؛ فإن انتفاء الكيفية يفضي إلى انتفاء الحقيقة. مع أن الذي يتكفله الوجدان العرفي هو أن هذه الصفات موضوعة للمعنى بنفس كيفيته، وذلك لتبادر الكيفية من اليد عند حملها على اللغة، ووضوح التكلف عند حمل اليد على المعنى المستحدث: «البلكفة» (بلا كيف)، فإننا لا نقع على أثر لهذا المعنى المبتكر في فهم القدماء لنصوص الكتاب والسنة، بل نجد البعض من أكابر القوم يذهب إلى القول بالتفويض كما تقدم. وعليه، فإن أي إجراء أو تصرّف في المعنى لا بد وأن يحدث تغييراً في حقيقته سيما وأن المفاهيم بما هي مفاهيم متباينة فيما بينها. ومهما يكن، يظل التفكيك ضارباً بجرانه في بنيان هذه النظرية: فما يفهم من الصفة غير مقصود، وما يقصد منها غير مفهوم، وإذا كان الله تعالى قد خاطبنا بما لا نعقل، فإن هذا يستلزم العبثية وينافي الحكمة. وإن القول بأن لله يداً حقيقية بلا كيف، هو قول يعتريه الغموض والإيهام، ويخالف نهج القرآن الكريم في رسم معالم العقيدة من خلال مخاطبة الفطرة والعقل السليم بلغة واضحة جلية لا يشوبها أدنى تعقيد وإبهام. وبذلك يفتقد سؤال المعنى التبرير المنطقي المسوغ لهذا التفكيك، فيتطلب إيجاد التوافق بين إثبات المعنى اللغوي المتبادر والمعنى اللائق المستحدث، الأمر الذي تتوقف عليه مشروعية النظرية ككل، وهو العنصر اللازم في إيجاد الترابط والانسجام داخل بنية هذه النظرية.
ابن تيمية بين التكييف ونفيه
يتمسك ابن تيمية بما ورد في النصوص من صفات وأفعال لا تتناسب بظاهرها ومقام الذات المقدسة، وينحو في الجواب عن سؤال المعنى باتجاه إفراغ اللفظ من أية دلالة حقيقية على مستوى الفهم، فإذا كان الله سبحانه يستقر على العرش استقراراً، وينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، ولم يكن لنا أن نقترف جناية التشبيه لتعاليه سبحانه عن صفات المخلوقين، ولم يكن لنا أن نقترف جرم التأويل لاستلزامه مغبّة التعطيل، فلا بدّ حينئذ من إجراء الصفات على ظاهرها وإثباتها على حقيقتها، غاية الأمر إجرائها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى، ولن يقدح في ذلك عدم تمكننا من الإلمام بكيفية المعنى اللائق به تعالى مطلقاً. وبهذا يظهر من ابن تيمية تبنيه نظرية «نفي التكييف» التي عمل على صياغتها وبثّها من جديد بعد أن كانت قد هجرت منذ القرن الرابع الهجري نتيجة تصدي ابن الجوزي للحنابلة آنذاك، ونفيه أن يكون مذهبهم هو بعينه مذهب السلف. ومهما يكن، فقد أعاد ابن تيمية إحياء هذه النظرية في القرن الثامن الهجري، ودعا إليها لكونها بين التعطيل والتشبيه، وأثارها بوصفها مذهب السلف الذين: «لا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا.. ولم يقل أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها». وقرّر أنَّ «مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية وتحتية، واستواء على العرش، ووجه، ويد، ومحبة وبغض، وما جاء في السنة من ذلك أيضاً من غير تأويل، وبالظاهر الحرفي. فهل هذا هو مذهب السلف حقاً؟.. وقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري، وادعوا أن ذلك مذهب السلف، وناقشهم العلماء في ذلك الوقت وأثبتوا أنه يؤدي إلى التشبيه والجسمية لا محالة، فكيف لا يؤدي إليهما والإشارة الحسية إليه جائزة»؟!. إن مسوغ التفكيك الضارب بجذوره في متن نظرية نفي التكييف، ونظرية التفويض، يقوم على أساس درء محذور التجسيم اللازم من إثبات الصفة لله تعالى، ولذلك فإن أية مقاربة من شأنها المساس بهذا الارتكاز المحوري سوف تضع هاتين النظريتين على المحك. وبالرغم من تبني ابن تيمية لنظرية «نفي التكييف« بحسب الظاهر، إلا أن منطلقات ذلك التبني لم تكن ناشئة من نفس الفضاء العام الذي تحرك فيه العقل الإثباتي آنذاك، وهو درء محذور التجسيم كأصل متسالم يشكل نقطة ارتكاز في قيام هذه النظرية. ذلك ما توحي به عبارات ابن تيمية التي يشوبها الكثير من التأرجح ما بين التكييف وعدمه، فكثيراً ما بدا ابن تيمية مغرقاً في التشبيه إلى حد المغازلة الصريحة لأتباع نظرية «التكييف« المتطرفين في حرفيتهم، ولعل مرجع ذلك إلى تبنيه للمنطق الاستقرائي الذي وفّر لديه مادة لا بأس بها من النصوص التشبيهية بعد أن استقامت لديه دليليتها. ومن هنا يسوق ابن تيمية في بعض مؤلفاته مقاربة تقعيدية تبرر التشبيه والتجسيم، وهي مقاربة تقوم في جوهرها على أساس التمييز بين التمثيل والتشبيه: فالتمثيل هو تشابه بين شيئين من جميع الوجوه، وهذا هو المنفي في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)، بينما التشبيه يكون بين شيئين ببعض صفاتهما. وهو يرى أن التشبيه بين الخالق والمخلوق لا يقتضي التمثيل: فإن الله سبحانه أثبت التشبيه بينه وبين خلقه، فسمّى نفسه حيا: (الحي القيوم) البقرة: 255، وسمّى بعض عباده حياً بقوله: (يخرج الحي من الميت) الروم: 19، وسمّى نفسه سميعاً بصيراً: (إن الله كان سميعاً بصيراً) النساء: 58، وسمّى بعض خلقه سميعاً بصيراً: (فجعلناه سميعاً بصيراً) الإنسان: 2، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير. وحينئذ فإن إثبات صفات الله التي يقتضي إثباتها التجسيم لا حرج فيه، ولم يرد نفي التجسيم عنه سبحانه. واحتجاج البعض بقصة موسى والسامري حيث قال تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده عجلاً جسداً له خوار، ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً) الأعراف: 148، لا يصح، فالله تعالى لم يذكر فيما عابه كونه ذا جسد، ولكنه ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم، ولا يهديهم سبيلاً، ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيباً ونقصاً لذكر ذلك، فعلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيب ونقص. ثم إن أدلة الكتاب والسنة على إثبات العلو والاستواء أكثر من أن تحصر، ودلالتها على ذلك جلية مفهومة، وحينئذ فيقال: إن كان إثبات هذا يستلزم أن الله جسم وجسد، لم يكن دفع موجب هذه النصوص بما ذكر من قصة العجل، لأن ليس فيها أن كونه جسدا هو النقص الذي عابه الله وجعله مانعا من إلهيته. وعليه، لم يرد في النصوص أن التجسيم عيب ونقص، بل دلّت النصوص على إثبات العلو والاستواء بوضوح، ولهذا أثبت ابن تيمية القول بالجهة والاستواء والانتقال والنزول. إن المحذور المتصوّر هنا، أي الوقوع في غائلة التشبيه والتجسيم، لا بد أن يحتكم إلى الرؤية العقيدية الناشئة من عملية التفسير نفسها، فإن ما يمكن أن يعدّ محذورا لدى البعض قد لا يعدّ كذلك بنظر البعض الآخر. ذلك أن أحادية المنهج في التفسير وفق هذا المنحى النقلي من شأنها أن تستبعد قطعيات العقل ومرتكزات العرف كلياً، وبذلك تنأى بغائلة الدور بعيدا عن هذا الوجه، وتسمح للبنى العقيدية أن تنبثق من جراء عمليات تفسير محض نصيّة، دون أن تكون محكومة مسبقاً بسقف تلك البنى. فيتضح أن قيام هذا الوجه من التفسير الحرفي رهن بتعطيل حركة العقل ومرتكزاته العرفية كليا في آلية التفسير، بحيث يغدو سؤال المعنى مشروعاً فقط خارج إطار استجلاء النص نفسه. وهذا الأمر يتم تناوله في سياق الحديث عن قيمة المنهج الأحادي في الإتباع، ويحتكم في نتائجه إلى مدى جدوائيته في استجلاء مضامين النص. وما يهم هنا، هو أن إثبات الصفة، وعدم المانع من إثبات اللازم، يحتّم حمل الصفة على المعنى اللغوي المتبادر من مفردة اليد والوجه ونحوهما بمقتضى الانسجام الداخلي الذي تتطلبه بنية النظرية، وهذا من شأنه أن يضع نظرية «نفي التكييف» القائمة على درء محذور التجسيم على المحك. لذلك فإن سؤال المعنى يغدو أشد تأزماً واضطراباً طالما لم يتوفر له عنصر الإثبات رغم زوال الموانع من طريقه: فهل يثبت ابن تيمية المعنى اللغوي للفظ اليد لانعدام المانع عنه، وبالتالي يقع في تناقض صريح مع المضمون الثابت في فضاء العقل الإسلامي! أم يتمسك بنظرية «نفي التكييف» ليتناقض بذلك مع الأساس الارتكازي لهذه النظرية بشكل لم يبلغه السلف أنفسهم؟! إن سؤال المعنى هنا يتطلب أكثر من أي وقت مضى التبرير المنطقي الذي يفسر إزاحة المعنى، سيما بعد إثبات الصفة، وإثبات عدم المانع من جريان اللازم.
والخلاصة: يظلّ سؤال المعنى مطروحاً بقوة بوجه الاتجاهات الإثباتية كافة طالما أن ما خلصت إليه بكل أطيافها إن هو إلا رؤى من شأنها أن تقودنا في النتيجة إلى الدائرة المفرغة من أي معنى؛ فالبعض وصف جسماً مركّباً منفعلاً متغيّراً وصرّح بأنّه جسم، والبعض الآخر وصف لفظاً وصمت عن المعنى، والبعض الثالث وصف معنى بلا كيف. ولا نجد من بين هذه الاتجاهات سوى اتجاه واحد يحظى بسمة الترابط والانسجام الداخلي، وهو اتجاه «التكييف» الذي أثبت الصفة ولوازمها من المعنى والتجسيم. وحيث إن هذا النوع من الترابط يؤدي إلى الوقوع في محذور التجسيم، بل هو صريح في ذلك، فقد تم استبداله برؤى نسقية غير منتظمة تدعو إلى التفكيك بين المقدمات ولوازمها الحتمية بذريعة التوفيق بين إثبات الصفة حفظاً للنص، ونفي التجسيم حفظاً للمعنى. وهذا التفكيك ما هو في المحصلة النهائية إلا نوع تأويل ليس إلا، غاية الأمر أنه تأويل إجمالي يهدف إلى درء التجسيم من خلال الإثبات والنفي في نفس الآن. إن عملية التأويل تتم وفق مستويين: مستوى التفكيك والفصل من جهة بداعي إزالة الملازمة، ومستوى البناء والوصل من جهة ثانية بداعي إيجاد الملائمة. وقد تكثفت جهود الاتجاهات الاثباتية المتمثلة في »نفي التكييف» و«التفويض» حول المستوى الأول من عملية التأويل، بينما تم تجاهل المستوى الثاني والاكتفاء بالإحالة إلى علم الله تعالى، ولهذا لم تؤتَ هذه الجهود ثمارها إلا لجهة تفريغ النص من معناه وجعله صامتاً. وقد يبرر لهذا النزوع تمسكه بالثابت الملموس في مقابل المتغيّر الحدسي، وحيث إنه لا يمكن الاحتفاظ بكلا العنصرين فلا بد من إسقاط أحدهما لحساب الآخر. وحيث إن النص ثابت متحصن بحرفيته متأدلج بنصوصيته، بخلاف المعنى فهو مأزوم في دلالته، لا مندوحة حينئذ من المصير إلى توتير المعنى وتبديده من الذهن، دون أن يصل الأمر إلى حد استبداله بمعنى آخر؛ فإن استبدال المعنى في قضايا الدين ما لم يكن مستنداً إلى دليل حرفي فإنه يشكل مجازفة خطيرة وتدخّلاً بشرياً سافراً في شؤون المقدّس، الأمر الذي من شأنه المساس بالنص وحرفه عن مسار قدسيته. وإلى هنا تكون العملية التأويلية للاتجاهات الإثباتية قد استنفذت طاقتها. إن الخروج عن الظهور الحرفي بصرف اللفظ عن دلالته في الكيف إلى الكيف المجهول، أو اللاكيف، ما هو في الحقيقة إلا وجه من وجوه صرف المعنى إلى غيره، فلا فرق في التأويل بين إيجاد المعنى أو صرفه إلا بمقدار ما يفتقد في بنياته الداخلية إلى التبرير المنطقي ويكون تأويلاً إجمالياً، ولن يختلف حينئذ جوهرياً عن الاتجاهات التأويلية الأخرى في جهة تبنيه مبدأ العملية التأويلية في الجملة إلا بمقدار طموح التأويلية التفصيلية لدرء التفكيك بالتزام الترابط في النفي، وليس في الإثبات: أي نفي الصفة، ونفي المعنى، ونفي التجسيم والتشبيه. فإن أتباع التأويل التفصيلي يرفضون إثبات اليد والوجه لله تعالى، وإثبات الصفات بمعنى الآلة والجارحة، وإثبات التجسيم جملة وتفصيلاً. وحيث إن هذه الرفوضات يمليها منطق الترابط والفرار من غائلة التجسيم والتفكيك، لذا، فإن التحدي الذي يواجه التأويليين التفصيليين هو نفسه التحدي الذي واجه التأويليين الإجماليين، وهو مدى قدرتهم على إثبات تأويلاتهم وفق الأسس العلمية المقبولة.

[2]
توزعت الآراء في الموقف من الصفات الخبرية بين مثبت للصفة والمعنى وهو الاتجاه الحرفي، أو مثبت للصفة متصرف في المعنى وهو الاتجاه التأويلي الإجمالي، أو متصرف في كليهما معاً وهو الاتجاه التأويلي التفصيلي. وقد تناولنا أعلاه النظريات الإثباتية بالبحث، وبيّنا أنها - فيما عدا الاتجاه الحرفي المتزمّت - تستند في جوهرها إلى نوع من التأويل الإجمالي، يقوم على التفكيك بين الشيء ولوازمه، والإحالة في المعنى، بداعي التوفيق بين إثبات الصفة حفظاً للنص، ونفي التجسيم حفظاً للمعنى. والتأويلية اتجاه في التفسير يقوم على النفي والإثبات معاً، وهي إذ تطمح إلى تجاوز هاتين العقبتين تنجز ذلك على مرحلتين: صرف اللفظ عن دلالته الأولية في جهة النفي، وترجيح كفة الدلالة الثانوية في جهة الإثبات. وكلاهما تصرف على خلاف الطبيعة الأولية للأشياء، ولأجل ذلك يفتقر التأويل إلى عنصر التطبيع، ويحرص على امتلاك مبررات وجوده التوافقي من داخله، وذلك وفق إجراءين: أولاً: اتخاذ الوضعية الطارئة كنمط في الوجود. لجهة استناده إلى المجاز ونحوه، فلا يتطرق إلى نطاق الوضع، وإنما يعمل في إطار الاستعمال، ويبقى بمثابة حالة طارئة لا غير. ولئن كان «الوضع» يهتم بجعل اللفظ على المعنى وتخصيصه به، فإن التأويل يستند في مشروعيته إلى هذه الخصوصية الوضعية التي تسود العلاقات اللغوية، ولا يسعى إلى تقويض قواعد اللعبة التي تحكم المسار اللغوي من خلال العبث بالألفاظ والمعاني وضم الأغيار إلى بعضها البعض جزافاً، إذ الوضع يهيئ الأرضية اللازمة لإجراء العملية التأويلية، دون أن تصل تلك العملية إلى حد المساس به. فالتأويل هو نقلة من الأصل الذي يشكل نقطة ارتكاز أولية تتماهى مع طبيعة الأشياء، إلى الفرع الذي يظهر دائماً في صورة الوضعية الطارئة. والتأويلية تستبيح اللفظ دون أن تخلف المعنى الأصلي عليه، إذ التأويل يأبى أن يتحول إلى أمر واقع مما من شأنه أن يفقده هويته التأويلية، لذلك لا يسعى إلى ترقية المعنى التأويلي إلى مقام الوضع، وإنما يستثمره في مقام الدلالة الاستعمالية فحسب. وهنا تحديداً ينشأ عنصر المراوغة فيه: فهو إذ يعبث بالأدوار يحرص على إبقاء الأشياء في مواقعها، فيحتفظ بالسيطرة والقدرة على التحكم في مسار الأمور في نفس الوقت الذي ينأى بنفسه عن الظهور في طور الواقع الرسمي. ثانياً: تتيح ثنائية النفي والإثبات لمفهومين أن يتعاقبا على لفظ واحد طولياً بسبب قيام علاقة ما بينهما، ومن خلال هذه العلاقة تتشكل العملية التأويلية في مرحلتيها: مرحلة النفي والفصل من جهة بداعي تفكيك الموائمة، ومرحلة الإثبات والوصل من جهة ثانية بداعي تحقيق الملائمة. وقد حصرت الاتجاهات الاثباتية ذات المنحى التأويلي جهودها في المستوى الأول من عملية التأويل، فيما أحالت المستوى الثاني إلى المجهول، الأمر الذي أفضى إلى إرباك المفهوم؛ إذ المفهوم الواحد بما هو مفهوم لا يحتمل ورود التجزئة عليه بالنفي والإثبات وإلا لاختلت هويته وكينونته الخاصة، ذلك أن العبث في المفهوم الواحد، بإثبات شق منه - وهو المتعلق بالجارحة مثلاً - ونفي شق آخر منه - وهو المتعلق بالكيف – من شأنه إلحاق الضرر بعنصر الثبات في الوحدة المفهومية، فإن المفهوم متقوم بتمام أجزاءه. وإذا كان الشيء الجديد هنا هو التأكيد على النفي دون أن يلامس ضفاف الإثبات حفظاً لهيبة النص من الإقحامات الدخيلة؛ بحجة أن الإثبات يستدعي المساس بالنص وحرفه عن مسار قدسيته. فلن يزيد الإثبات بشيء على النفي لجهة المساس بالمفهوم وعرقلة النص عن مهامه الدلالية، وبذلك لن يؤتي هذا الجهد ثماره إلا لجهة تفريغ النص من محتواه وجعله صامتاً. إن استناد النظريات الإثباتية إلى الثابت الملموس في مقابل المتغيّر الحدسي، بدعوى أن النص متحصن بحرفيته متأدلج بنصوصيته، بينما المعنى مأزوم في دلالته، لن يسهم سوى في تبديد المعنى من الذهن تحت عبء قدسية المطلق، ولكن ذلك لن يكون في صالح النص، ذلك النص الذي تتقوّم هويته ونصوصيته بكونه ذا معنى ودلالة! بل إن الجهد التأويلي الباحث عن المعنى هو في صميمه جهد باتجاه النص، وإسهام في حفظ نصوصيته قبل أن يكون أي شيء آخر. ولن يشكل التأويل تدخّلاً بشرياً في شؤون المقدّس طالما أن قواعد اللعبة التأويلية محفوظة في عرف اللغة العربية التي منها تَشكّلَ الخطاب القرآني. بل إن الإحالة إلى مجهول، وتخصيص المجاز بغير الكتاب، ونحوها من إقحامات على النص إن هي إلا مجازفة في طريقة التناول، لا تحظى في عرف اللغة القرآنية - والتي من أهم خصائصها: البيانية والهدفية - بأي رصيد يذكر. ومهما يكن، فلا فرق في التأويل بين إضفاء المعنى أو صرفه إلا بمقدار ما تفتقد النظرية في بنيتها الداخلية إلى النسق المنطقي ويكون تأويلاً إجمالياً، ولن تختلف حينئذٍ جوهرياً عن الاتجاهات التأويلية الأخرى في جهة تبنيها مبدأ العملية التأويلية في الجملة إلا بمقدار طموح التأويلية التفصيلية لدرء التفكيك بالتزام الترابط في النفي، وليس في الإثبات: أي نفي الصفة، ونفي المعنى، ونفي التجسيم والتشبيه. فإن أتباع التأويل التفصيلي يرفضون إثبات اليد والوجه لله تعالى، وإثبات الصفات بمعنى الآلة والجارحة، وإثبات التجسيم جملة وتفصيلاً. وحيث إن هذه الرفوضات يمليها منطق الترابط والفرار من غائلة التجسيم والتفكيك، لذا، فإن التحدي الذي يواجه التأويليين التفصيليين هو نفسه التحدي الذي واجه التأويليين الإجماليين، وهو مدى قدرتهم على إثبات تأويلاتهم وفق الأسس العلمية المقبولة.
النظريات التأويلية
يؤكد التأويليون على أنه كما أن تجاوز الحد في التنزيه يؤدي إلى التعطيل، فكذلك تجاوز الحد في التشبيه يفضي إلى التجسيم، فإن التمسك بظواهر المفردات التي تتحدث عن الصفات الخبرية يفضي إلى تشبيه الله بخلقه ونسبة التجسيم إليه تعالى لذا يجب حملها على خلاف ظاهرها. وإذا كان لا بدّ من الذهاب باللفظ إلى حيث مدلولاته الثانوية، وتفسير الصفات على خلاف ما يظهر منها بالظهور الأولي، تنزيها لله تعالى عن التشبيه والتجسيم وما يلزم منهما من الحلول والتحيّز والأعضاء والانفعال ونحو ذلك، ولأن الله تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن هذا يحتّم تأويل الصفات المسماة خبرية إلى معان تليق بجلاله تعالى انسجاماً مع ما قطع به العقل وثبت به التنزيل المحكم من أنّه تعالى شأنه (ليس كمثله شيء) الشورى: 11، فالمتشابه يردّ إلى هذا المحكم حينئذ. وفي المقابل ترفض الاتجاهات الحرفية المتمسكة بظاهر الصفات الخبرية إدراج نصوص الصفات هذه في دائرة المتشابه الذي لا يراد ظاهره، وتنعت التأويليين بأنهم من المعطلة والنفاة للصفات. إذن هذا الموقف الإشكالي يستدعي تصرفاً ما يجعل من الصفات شيئاً يليق بجلاله. وفي هذا يلتقي التأويليون كافة، سواء انتموا إلى المنحى الإجمالي أو التفصيلي. غير أن السبل والوسائل التي اتبعت لتحقيق هذه الغاية جاءت مختلفة ومتباينة مما يضعنا مباشرة أمام إشكالية المنهج. ويتمثل الموقف التأويلي التفصيلي في مجال الكلام في تيارات ثلاث رئيسة، هم المعتزلة وبعض الإمامية وبعض الأشاعرة.
التأويل الاعتزالي
تدور العقيدة لدى المعتزلة مدار اليقين لا الظن، وإذا كانت ظواهر النصوص من كتاب وسنة ظنية الدلالة، وكانت أدلة العقل الصحيح قطعية الدلالة، فلا بد عند التعارض من تقديم العقل على النقل، وجعله الأصل الأوّل، بل الأصل للكتاب وللسنّة. يقول القاضي عبد الجبار «فأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول»، فالمحكمات تزيل ما اشتبه معناه من نصوص الصفات باعتبار أن المتشابه هو «ما خرج ظاهره عن أن يدل على المراد» . فإذا وقع التعارض بين العقل والنقل، يجب التصرف في النقل بما يلائم العقل ويتفق معه، وإلا قدّمت الأدلة العقلية على ظاهر النصوص، وأحسن الظن بالنصوص بأنها: مما يراد به الابتلاء، لا اعتقاد ما دلت عليه. فإذن، تتوقف العملية التأويلية هنا على العناصر التالية: الإيمان بقيمة العقل. أولوية اليقين على الظن. ظواهر النصوص ظنية الدلالة. الاعتقاد لا يثبت بخبر الآحاد. الإيمان بوجود المجاز في القرآن. إمكان وقوع التعارض بين العقل والنقل. أولوية العقل على النقل في صورة التعارض. وقد تحفظ المعتزلة في الاستدلال بظواهر الكتاب والسنّة في الاعتقاديات، لإفادتها الظن، ولا مكان للظن في العقائد. ومن جهة أخرى اقتصروا على المتواتر، إلاّ قليلاً، من الحديث، فساهم ذلك في تضييق دائرة النقل، والتوسعة في المنحى العقلي في الإثبات والنفي، وبذلك أخضعوا النصوص للتأويل كونه هو المفيد لليقين العقلي. وقد ساق المعتزلة الحجج العقلية واللغوية لتأويل صفة الوجه، والعين، واليد.. بصرفها عن ظواهرها إلى المعاني المجازية لها. ففسروا اليد مثلا بالنعمة والقدرة، معتمدين في تأويلها على قياس الغائب على الشاهد فيما يعرف بقياس المخالفة بين المطلق والمحدود من كلّ وجه. كما تناولوا صفات الأفعال التي يلزم من بقاءها على ظاهرها التجسيم والتشبيه لزوماً عقلياً، فأوّلوا صفة الاستواء والنزول والمجيء والإتيان بمعان تليق بشأن المولى تعالى، لأنه يلزم من بقائها على ظاهرها محدودية الله تعالى في المكان، وكونه جسما يقبل الأعراض، والعقل لا يجيز اتصاف الله تعالى بشيء من ذلك. فلا بد وأن يكون المراد من الاستواء على العرش معنى مجازي تمثيلي هو الاستيلاء وإظهار القدرة، إذ أن الاستواء بالمعنى الحرفي الذي هو الجلوس محال في حقه تعالى: (ليس كمثله شيء). وبهذا يتحتّم اعتماد المجاز حلاً لإشكالية التعارض الظاهري بين النصّ والعقل. وقد اتسع التأويل الاعتزالي ليشمل الصفات الثبوتية أيضاً، كالعالم، القادر، الحي، السميع، البصير، فليس هناك برأيهم صفات على الحقيقة، وإنّما هي كلمات ملفوظة أو مكتوبة ليس لها من معنى أكثر من الوصف. وقد نفوا أن يكون هناك ألفاظ وكلمات في الأزل، ولهذا لم يصف اللّه تعالى نفسه في الأزل. وإذا كان اللّه تعالى في الأزل بلا صفة ولا اسم، فإن كلامه تعالى يكون مخلوقاً له كسائر المخلوقات. وتمثّل هذا القول بالجهم بن صفوان، وتابعه واصل بن عطاء مؤسّس «المعتزلة». ولذلك اتهموا بتعطيل الصفات وعرفوا بالجهمية والمعطّلة.
التأويل الأشعري
يتمثل موقف الأشاعرة في أقرب أشكاله المنفتحة على المحيط من خلال الموقف التأويلي لدى كبار الأشعريين، وهو مجال يشوبه الكثير من التوجس في الموقف الرسمي الذي يرى استحالة أن يصف الله تعالى نفسه بما يلزم منه نقص فيه تعالى، وبالتالي، فإنّ كل ما وصف به الله تعالى نفسه فهو من الثناء على الذات بصفات الجلال والكمال، من ذلك ما وصف به سبحانه نفسه من نزول إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، واستواء على العرش، ومجيء يوم القيامة.. فهذه الصفات لا بد أن تكون صفات كمال. إن صفة الاستواء مثلاً - والتي يظن المتأوّلون أنّها صفة نقص، وبالتالي ينسبون إلى الله تعالى أنه وصف نفسه بالنقص، ثم ينفونها عنه ويؤولونها - هي في الحقيقة صفة كمال وجلال، وما ذكرها سبحانه في موضع من كتابه إلا مقرونة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها. ولهذا، فإن المسلم إذا سمع صفة وصف الله بها نفسه، أول ما يجب عليه أن يعتقد أن تلك الصفة بالغة من الجلال والكمال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينها وبين صفات المخلوقين، فيؤمن بها على أساس التنزيه. إن كل وصف أسند إلى الله تعالى فظاهره المتبادر منه هو التنزيه الكامل عن مشابهة الخلق، فإقراره على ظاهره هو الحق، والعاقل لا ينكر أن المتبادر للأذهان السليمة أن الخالق ينافي المخلوق في ذاته وسائر صفاته. فلا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئاً من المخلوقين في صفاتهم، بل استواؤه صفة من صفاته، وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق كما أن ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق. وهذا الجواب يطرد في الكل، فإن جميع الصفات من باب واحد بلا فرق بينها؛ والموصوف بها واحد، والصفات والذات من باب واحد، وكما أننا نثبت ذات الله تعالى إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية مكيفة، فكذلك نثبت لهذه الذات المقدسة صفات، إثبات إيمان ووجود، لا إثبات كيفية وتحديد. إن التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إنما يكون مقبولاً فيما إذا كان لدليل صحيح من كتاب أو سنة، إما إذا لم يكن لدليل، أو كان لشيء يعتقد أنه دليل وهو في نفس الأمر ليس بدليل، فهذا من التأويل الباطل الذي نهى عنه الكتاب العزيز. إن الخطأ الذي يرتكبه المتأوّل هو أنه إذا سمع صفة من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه، أول ما يسبق في ذهنه أن هذه الصفة تشبه صفة المخلوق (فيكون فيها مشبهاً)، فيدعوه ذلك إلى أن ينفي هذه الصفة عنه تعالى، إذ لا يليق به تعالى أن يتصف بصفات المخلوق (فيكون فيها معطلاً). وخلاصة هذا النهج المتحفّظ: إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله (ص) من غير تكييف، والإيمان بمعاني ألفاظ النصوص مع التنزيه عن تشبيه صفاته بصفات الخلق، طلباً للسلامة من ورطتي التشبيه والتعطيل، وإن التأويل مذموم: إذ منه ما هو كفر كتأويلات الباطنية، ومنه ما هو بدعة وضلالة كتأويلات نفاة الصفات، ومنه ما يقع خطأ. هكذا، بدا موقف الأشاعرة متأرجحاً بين التمسك بحرفية الصفات الخبرية تارة، وهو ما نسب إلى متقدمي الأشاعرة كأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني، أو التمسك بضرورة التأويل لكل ما أوهم التشبيه تارة أخرى، وهو ما يظهر من متأخري الأشاعرة كإمام الحرمين أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي والرازي ومن تأخر عنهم. ومهما يكن، فقد استدلّ الأشعري والباقلاني في منهجية البحث حول الصفات الخبرية بالعقل إلى جانب الكتاب والسنّة. وتبنى الجويني والغزالي ومن جاء بعدهما من الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية بقسميها، نظرا لعدم صحة الاحتجاج بدلالة النصوص الظنية إلاّ بعد اعتضادها بالدليل العقلي، والتقوا بذلك مع من سبقهم من المعتزلة على مستوى المنهج. وقد عمد الغزالي في تفسيره للصفات الخبرية إلى التفويض تارة والتأويل أخرى، مشدّداً على أن التأويل مذهب العلماء ولا يجوز للعوام الاشتغال به. على أنه ثمة ادعاء بأن ما صرّح به أبو الحسن الأشعري من التمسك بظاهر الصفات الخبرية في كتابه «الإبانة من أصول الديانة» إنما كان تقية لموافقة الاتجاه الحنبلي. وفي المقابل ينسب إلى الجويني في كتابه «العقيدة النظامية» والغزالي في كتابه «إلجام العوام» تراجعهما عن القول بتأويل الصفات لصالح الأخذ بدلالتها الظاهرية . وسواء كان هذا التأرجح متأثّراً في بعض مراحله بسيادة المذهب الأشعري كمذهب رسمي للدولة، الأمر الذي يعطي الأولوية للنقل على العقل، باعتبار أن النقل سلطة وانضباط والعقل معارضة وتمرد، والنقل يحتاج إلى مرجعية ذات سلطة تفسره والعقل يؤسس قواعده بشكل مستقل عن أي سلطة من خارجه. أو كان متأثراً بالضغوط التي مارسها الاتجاه الحنبلي - السلفي في بعض مفاصله، إلا أن الاتجاه الأشعري شهد رغم ذلك منعطفات فكرية هامة امتدت خلالها جسور التواصل ما بين العقل والنقل وإن بشكل محدود، وتبنى فيها الأشاعرة مقولة التأويل القائمة على أساس إنارة متشابه القرآن بردّه إلى المحكم: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران: 7، واهتموا بمعالجة التعارض الظاهري بين العقل والنقل، وإحكام المتشابه بردّه إلى المحكم، وذلك من خلال إدخال عامل المجاز على اللغة بمقتضى التناسب في الدلالة ما بين النقل والعقل. وإذا أمكن الاستدلال بالنقل، لكن التعويل على الأدلة العقلية . فإن ما دلائله يقينية يحكم بها العقل، وقد تأيدت بالنقل، فالاعتماد هنا على الأدلة العقلية، وأما النقلية فهي تؤيدها فحسب. وبهذا استند الأشاعرة في تأويل آيات الصفات إلى المجاز، وعلى هذا الأساس نفى ابن رشد التعارض الظاهري ما بين العقل والنقل، وكذلك ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن»، وابن المنير في ردوده على تفسير الزمخشري وغيرهم. ولئن حصل التقاء في المنهج، إلا أن ذلك لم يسمح باختراق الخطوط العقائدية الفاصلة بين الاتجاهات الفكرية المختلفة إلا نادراً جداً، فقد ساهم المنهج الواحد في توكيد الرؤى المتخالفة، كما ظهرت اجتهادات حول الضوابط التي يؤدي الخروج عنها إلى تزييغ التأويل نتيجة فتح بابه على مصراعيه، فيلقي الإمام الشوكاني مسؤولية هذا التزييغ على عاتق التيار الأصولي السني المتمثل بالجويني والغزالي والرازي، إذ «هم الذين وسعوا دائرة التأويل وطولوا ذيوله»، وهذا العجز في التوفيق بين العقل والنقل مرجعه إلى سوء تقدير التأويل كما يرى ابن رشد. ومع ذلك، فإن دائرة التأويل الأشعري ضاقت بما رحبت: إذ تمحور التأويل حول القضايا التي كانت مثار جدل مع المعتزلة، والتي تتعلق بالتوحيد والتنزيه والعدل وخلق الأفعال، واقتصر التأويل على القرآن دون الحديث: فقد أطلق الأشاعرة دائرة مثبتات العقيدة لتشمل أحاديث الآحاد، فجوّزوا على سبيل المثال رؤية الله جلّ شأنه يوم القيامة استناداً إلى بعض أحاديثهم التي بقيت بمنأى عن أي نشاط تأويلي.

ha.ye.ba